أبي منصور الماتريدي

512

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وجعل فيكم الأفهام وغيرها . والثاني : على الأمر ؛ أي : اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد له ويخضع ، وقد أقام عليهم « 1 » من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع ويسبح ، وإلا ظاهر قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أن يقولوا : لم تر أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل ، لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرتهما ، ويشبه أن يكون ذكر قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ . . . الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك الكفرة الأصنام ، وعظيم ما قالوا في الله ما قالوا ، فقال لذلك : أو لم يروا إلى كذا . وقوله : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ . قال بعضهم : يريد بالظلال شخص ذلك الشيء ، والظلال كناية عن الشخص ، كما يقال : رأيت ظل فلان ؛ أي : شخصه . وقال بعضهم : أراد بالظل الظلّ نفسه ، لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر . وعلى تأويل من يجعل الظل كناية من الشخص يجعل كل نفس تفيء خضوعا وسجودا . ثم معنى سجود : هذه الأشياء الموات وخضوعهن ، من نحو قوله : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ . ومن نحو قوله : يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ [ ص : 18 ] وقوله : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [ سبأ : 10 ] وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 45 ] وقوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [ مريم : 90 ] وأمثاله . يحتمل وجوها : أحدها : أن يجعل الله - عزّ وجل - بلطفه في سرية هذه الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له ، وهو كما ذكر في الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، أخبر أنها تجرى بأمره ، دل أنها تعلم أمر الله . وقوله : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 20 ، 21 ] . أخبر أنها تشهد وتنطق ، ولو [ لا ] « 2 » أنها تفهم وتعلم الخطاب ؛ وإلا ما خوطبت ، وإن

--> ( 1 ) في أ : لهم . ( 2 ) سقط في أ .